ابن رشد
88
تهافت التهافت
بينها القدماء واشترطوها في الفحص ، ولا بد مع ذلك أن يسمع الإنسان أقاويل المختلفين في كل شيء يفحص عنه إن كان يجب أن يكون من أهل الحق . قال أبو حامد : والجواب عن الكل ما سبق ، وإنما أفردنا هذه المسألة لأن لهم فيها دليلين آخرين : الدليل الأول ما تمسك به جالينوس إذ قال لو كان الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في مدة مديدة والأرصاد الدالة على مقدارها منذ آلاف سنين لا تدل إلا على هذا المقدار فلما لم تذبل في هذه الآماد الطويلة دل أنها لا تفسد . الاعتراض عليه من وجوده : الأول : إن شكل هذا الدليل أن يقال : إن كان الشمس تفسد فلا بد وأن يلحقها ذبول لكن التالي محال فالمقدم محال وهو قياس يسمى عندهم الشرطي المتصل وهذه النتيجة غير لازمة لأن المقدم غير صحيح ما لم يضف إليه شرط آخر وهو قوله إن كان تفسد فلا بد وأن تذبل فهذا التالي لا يلزم هذا المقدم إلا بزيادة شرط وهو أن يقال : إن كان تفسد فسادا ذبوليا فلا بد وأن تذبل في طول المدة أو يبين أنه لا فساد إلا بطريق الذبول حتى يلزم التالي للمقدم ولا نسلم أنه لا يفسد الشيء إلا بالذبول ، بل الذبول أحد وجوه الفساد ولا يبعد أن يفسد الشيء بغتة وهو على حال كماله . قلت : الذي عاند به هذا القول في هذا الوجه هو أن اللزوم بين المقدم والتالي غير صحيح وذلك أن الفاسد ليس يلزم أن يذبل إذ كان الفساد قد يقع للشيء قبل الذبول واللزوم صحيح إذا وضع الفساد على المجرى الطبيعي ولم يوضع قسرا ، وسلم أيضا أن الجرم السماوي حيوان ، وذلك أن كل حيوان يفسد على المجرى الطبيعي فهو يذبل قبل أن يفسد ضرورة . لكن هذه المقدمات لا يسلمها الخصوم في السماء بغير برهان ، فلذلك كان قول جالينوس إقناعيا . والأوثق من هذا القول أن السماء لو كانت تفسد لفسدت إما إلى الأسطقسات التي تركبت منها ، وإما إلى صورة أخرى بأن تخلع صورتها وتقبل صورة أخرى كما يعرض لصور البسائط بأن يتكون بعضها من بعض ؛ أعني الأسطقسات الأربعة ولو فسدت إلى الأسطقسات لكانت جزءا من عالم آخر ، لأنه لا يصح أن تكون من الأسطقسات المحصورة فيها ، لأن هذه الأسطقسات هي جزء لا مقدار له بالإضافة إليها بل نسبته منها نسبة النقطة من الدائرة ولو خلعت صورتها وقبلت صورة أخرى لكان هاهنا جسم سادس مضاد لها ليس هو